أخبار وطنية التوصيات المنبثقة عن الحوار المجتمعي "التعليم في تونس اليوم: الرهانات الاجتماعية، التحديات الاقتصادية، وآفاق التنمية المستدامة"
صدرت عن الندوة التي انتظمت الأسبوع الفارط من قبل المعهد العربي لحقوق الانسان بالشراكة مع المعهد العربي لرؤساء المؤسسات وبدعم من "وكالة خبراء فرنسا" للتعاون التقني الدولي حول "التعليم في تونس اليوم: الرهانات الاجتماعية، التحديات الاقتصادية، وآفاق التنمية المستدامة" مجموعة من التوصيات توزعت على عدد من المحاور.
وتؤكد هذه التوصيات أن إصلاح التعليم ليس مسألة تقنية أو قطاعية، بل خيار مجتمعي حضاري يقتضي إرادة سياسية، وحوكمة رشيدة، وشراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل ضمان الحق في تعليم ذي جودة، وعمل لائق، واقتصاد عادل ومستدام.
أولًا: الرؤية العامة وغاية التعليم
- الانتقال من تعليم موجَّه للوظيفة إلى تعليم يهدف إلى خلق القيمة والثروة، ويعيد تعريف غاية التعليم باعتباره رافعة للتحرر الفردي والتنمية الاقتصادية العادلة والتماسك الاجتماعي.
- إرساء رؤية وطنية جامعة يقودها الفاعل السياسي الرئيسي، تُحدّد بوضوح ما نريده من التعليم: إصلاحًا، أم تجديدًا، أم تغييرًا عميقًا، مع الاستئناس بالتجارب العالمية دون استيرادها حرفيًا، واحترام الخصوصيات الوطنية.
- اعتماد مقاربة الاستدامة التي تنطلق من نماذج ناجحة قابلة للتوسيع، وتُغيّر الذهنيات لدى المتعلمين، والأسر، ومؤسسات التعليم، والدولة، مع الإقرار بأن القطاع الخاص يعمل بمنطق النجاعة لا الخسارة.
ثانيًا: الحوكمة والعقد الاجتماعي
- إرساء عقد اجتماعي جديد للتربية والتعليم متعدد القطاعات، يقوم على قواعد كبرى متوافق عليها، ويجسّد مبادئ الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة.
- توحيد الإشراف والحوكمة في مجالات التعليم، والتكوين المهني، والتكوين، والتشغيل، بما يضمن التكامل والانسجام ووضوح المسؤوليات.
- ربط الإمكانيات المادية والبشرية بالحوكمة الرشيدة، وتعزيز المساءلة والشفافية والنفاذ إلى المعلومة.
- تحييد المدرسة عن كل التجاذبات السياسية والشعبوية، وإرساء إيتيقا تربوية قائمة على العيش المشترك والاحترام المتبادل.
ثالثًا: التعليم والقطاع الخاص وسوق الشغل
- تدخل الدولة لخلق توازن فعلي بين التعليم العمومي والخاص، وبين متطلبات سوق الشغل وغايات التعليم الإنسانية والمعرفية.
- إخضاع التعليم الخاص لرقابة الدولة وفق قواعد تضمن الجودة، وعدم الإقصاء، والإنصاف، مع تشجيع مساهمته في تحمل المسؤولية المجتمعية.
- التقليل من التعقيدات البيروقراطية التي تعيق المبادرات، بما يُمكّن القطاع الخاص من الاضطلاع بدوره التنموي دون التفريط في الصالح العام.
- الاستئناس بتجارب رائدة في التنسيق بين التعليم والقطاع الخاص، مثل التجربة الألمانية، خاصة وأن نسبة هامة من الاقتصاد التونسي مرتبطة بأوروبا، بما يستوجب مرونة أكبر وقدرة أعلى على التكيّف مع تحولات السوق.
- دعم القطاع الخاص للبحوث العلمية والابتكار، وربط التعليم بخلق الثروة وتشجيع روح المبادرة.
رابعًا: الإدماج، الإنصاف، وذوو الإعاقة
- التزام القطاع الخاص بالمساهمة في إحداث مسارات تعليمية جديدة لذوي الإعاقة، تتماشى مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وضمان تشغيلهم وفتح آفاق مهنية لائقة لهم.
- ضمان النفاذ إلى المعلومة والتعليم للصم، بالنظر إلى التدني الكبير في نسب تمدرسهم، وتكوينهم بما ينسجم مع قدراتهم واستثمار مواهبهم بدل إقصائهم.
- العمل الجاد على تغيير العقليات المرتبطة بتشغيل ذوي الإعاقة، وتعزيز ثقافة الإدماج وعدم التمييز.
خامسًا: البيداغوجيا، التقييم، وجودة التعليم
- خلق مناخ مدرسي محفّز على التعليم والتعلّم، يعيد حب المدرسة للناشئة والمتعلمين.
- القطع مع بيداغوجيا الفشل السائدة، واعتماد بيداغوجيا النجاح، وتحويل التقييم من أداة إقصاء إلى أداة تكوين ودعم.
- مراجعة سياسات انتداب المعلمين، لضمان الجودة والاستحقاق، وتجاوز منطق الانتداب الاجتماعي الذي أضرّ بنوعية التعليم.
- معالجة ظاهرة الدروس الخصوصية عبر تشخيص معمّق قائم على الجودة وعمق التحليل، لا عبر ردود سطحية أو انفعالية.
- اعتماد مناهج وتقييمات موجّهة نحو إكساب كفايات مستدامة، تعزّز التفكير النقدي، والابتكار، وقابلية التشغيل، مع توفير الدعم التربوي والنفسي والاجتماعي للمتعلمين الأكثر هشاشة.
سادسًا: الذكاء الاصطناعي والعلوم
- الانتقال من مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إنشائه وتطويره، وربطه بالسيادة المعرفية.
- إدماج الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء البيداغوجي، وتخصيص التعلمات، ودعم المدرسين.
- وضع استراتيجيات عاجلة لإنقاذ شعبة الرياضيات وترغيب المتعلمين فيها، باعتبارها الأساس العلمي للذكاء الاصطناعي والابتكار التكنولوجي.
سابعًا: المواطنة، القيادة، والثقافة
- إعادة النظر في التربية على المواطنة، لسدّ الفجوة بين التعليم النظري والممارسة الفعلية.
- تعزيز الحرية باعتبارها مبدأً أساسيًا للتغيير وإنتاج الحلول المشتركة.
- الانتقال من أنماط القيادة النرجسية إلى القيادة التحويلية المنظومية، والتربية عليها داخل المنظومة التعليمية.
- نزع الاستعمار المعرفي، وتعزيز المعرفة المحلية التي وُصِفت ظلمًا بالتقاليد أو الفولكلور.
ثامنًا: التخطيط، التدرّج، والتقييم
- اعتماد التجارب النموذجية داخل عدد من المؤسسات التربوية قبل التعميم، ضمانًا للنجاعة وقابلية التنفيذ.
- تقييم كل التجارب الإصلاحية السابقة، وتحليل أسباب إخفاقاتها ونقاط قوتها، والبناء على المراكمة بدل الانطلاق من الصفر.
- تحديد الأولويات العاجلة للإصلاح، بما يضمن مسارًا متدرجًا نحو التحول المنشود.
تاسعًا: التعلم مدى الحياة والديمغرافيا
- إدماج السياسات التعليمية ضمن منظومة التعلّم مدى الحياة، والحركية الأكاديمية، والتعاون الدولي، مع الحرص على ألا تتحول هذه الحركية إلى نزيف، بل إلى رصيد وطني مستدام.
- الأخذ بعين الاعتبار التحولات الديمغرافية، والتوجه نحو الشيخوخة، وإعادة التفكير في التعليم ضمن أفق اقتصاد الرعاية.
عاشرًا: الأدوار والمسؤوليات
- تجاوز منطق الثنائيات المتنافرة: عمومي/خاص، تعليم/تشغيل، والعمل بمنطق الشراكة والتكامل لا الجزر المعزولة.
- عدم تحميل المجتمع المدني مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية، إذ يبقى ذلك من مشمولات الدولة، بينما يضطلع المجتمع المدني بدور المعاضدة، والمرافقة، والمناصرة.
- تعزيز دور المعهد العربي لحقوق الإنسان كفاعل قيادي جامع لمختلف الأطياف حول مسألة التعليم، ومواصلة تنظيم الحوارات المجتمعية باعتبار التعليم قضية مشتركة.
حادي عشر: التمويل والعدالة المجالية
- إرساء تمويل متضامن للتعليم يضمن الإنصاف بين الجهات، ويحدّ من الفوارق المجالية.
- ربط الحق في التعليم ذي الجودة بالحق في العمل اللائق، وفي اقتصاد عادل، باعتبارها أبعادًا مترابطة لا تنفصل.
ثاني عشر: المراجع الدولية
- اعتماد ما ورد في تقرير اليونسكو حول مستقبل التعليم، والاستئناس بمخرجاته باعتباره ثمرة عمل تعاوني عالمي، يمكن أن يشكّل خريطة طريق لتحويل منظومتنا التعليمية.